الشيخ محمد حسين الحائري

104

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

على التقدير المذكور وعند التحقيق لا يشتمل الأكثر على ماهية الأقل على الوجه الذي يتصف بالوجوب ومعه لا يتوجه شئ من الاشكالات وهل العبرة حينئذ بمطلق الزيادة أو بتمام القدر الزائد وجهان أظهرهما الثاني لأن الظاهر من المقابلة كون الأقل مأخوذا بشرط عدم وقوع الاخر فقط لا عدم ما زاد عليه مطلقا وحيث تقوم قرينة على إرادة وجوب الأقل لا بشرط ولم يعتبر النية في تعيين الأقل خرج التخيير عن كونه تخييرا حقيقيا فيتعين أن يكون الأقل واجبا على التعيين والزيادة مندوبة إن لم يتحدا في الخارج وجودا كالتخيير بين مطلق الذكر وذكر خاص وكالتخيير بين مطلق الشئ ومقيده لما سنحققه من أن تضاد الاحكام يمتنع من اجتماع فردين منها في مورد واحد والظاهر أن الامر بالأكثر حينئذ للأفضلية أو يتحدا زمانا مع كون الزيادة من جنس الأقل المأمور بأحد أفراده لا على التعيين كالتخيير بين إطعام فقير أو فقيرين إذا أطعمهما دفعة لما مر من وقوع كل منهما حينئذ على وجه الوجوب فالوجه أن يكون الامر بالأكثر حينئذ للقدر المشترك إن شاع صورة الاتحاد في الزمان وإن ندر الاتحاد فالوجه أن يحمل على الاستحباب كما أن الوجه في عكسه الحمل على الوجوب ولا فرق فيما يتعين فيه الأقل للوجوب والزيادة للندب بين أن يقعا دفعة كالتخيير بين عتق عبد وأمة إذا أعتقهما معا أو على التدريج كالتخيير بين نزح ثلاثين وأربعين وذلك لامتناع الحمل على الوجوب حينئذ أما في الصورة الأولى فلان المكلف إذا أتى بالأكثر فقد أتى بالأقل أيضا على الوجه الذي يتصف بالوجوب فإن اتصف أحدهما بالوجوب بالخصوص لزم وقوع الترجيح من غير مرجح لتساويهما في مطابقة الامر وموافقته وإن اتصف كل منهما بالوجوب لزم أن يكون المكلف آتيا بواجبين وهذا مخالف للفرض من حيث إن التقدير كون الأكثر أحد الآحاد مع أنهما إن كانا واجبين تعينيين أو كان أحدهما واجبا تعينيا خرج عن محل الفرض وإن كانا تخييريين فليس معادل الأقل إلا الأكثر لأنه المفروض فيلزم التخيير بين الشئ ونفسه لتحققه فيه وأما في الصورة الثانية فلان وقوع الأقل إن قضى بسقوط التكليف كان قضاء الاخر به أيضا تحصيلا للحاصل وإن لم يقض به خرج عن كونه أحد آحاد الواجب المخير لان قضية ذلك سقوط التكليف بمعادله ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزيادة من جنس الأقل وغيره ولا بين أن يقع قبل وقوع الأقل وبعده [ ولا في الثاني بين أن يقع قبله أو معه أو بعده ولا في الأول بين المعين وغيره ] وحينئذ فيتعين أن يكون الامر بالأقل للوجوب التعييني وبالأكثر للقدر المشترك أو للندب لان المركب من الواجب والمندوب راجح يجوز تركه ولو لجواز ترك أحد جزئيه ولا ينافيه ما قيل من أن المركب من الداخل والخارج خارج لان المراد خروجه من شخص ما تركب منه لا من جنسه ولا بد حينئذ من التأويل في التخيير إذ لا معنى للتخيير بين الواجب ونفسه أو بينه وبين المندوب إذ الظاهر حمل الامر بالأكثر على الأفضلية ومثله ما لو ورد التخيير بين المطلق والمقيد كأعتق عبدا أو عبدا مؤمنا وإلا فالامر كما مر هذا ما يساعد عليه النظر الصحيح وفي المقام أقوال أخر منها أن التخيير بين الأقل والأكثر مطلقا يقتضي وجوب كل واحد منهما لظاهر الامر ومنها أن الزيادة مندوبة مطلقا لأنها مما يجوز تركها ومنها ما نقله بعض المعاصرين بعد نقل القولين المتقدمين واستظهره وهو أنه إن كان حصوله تدريجيا بحيث يوجد الناقص قبل الزائد فالواجب هو الأقل لحصول الامتثال به وإلا فكل واحد منهما واجب لأنه فرد من الواجب وأنت إذا أحطت خبرا بما بيناه وقفت على ما فيه وفي سابقيه من الضعف والسقوط فصل ينقسم الواجب ببعض الاعتبارات إلى موقت وغير موقت فالمؤقت ما عين له وقت كالصلاة اليومية وغير الموقت بخلافه كالصلاة المقضية وقد يوقت بعض الواجب دون بعض كصلاة من أدرك ركعة من الوقت بناء على أن ما أتى به خارج الوقت لا وقت له ولا بد من كون الوقت بحيث يسع لأداء الموقت فإن ساواه فمضيق وإلا فموسع ولا نزاع في جواز الأول ووقوعه على ما حكاه بعضهم والتحقيق أن ذلك إنما يستقيم إذا حمل المساواة على العرفية أو أخذت الدعوى جزئية فيصح في مثل الصوم دون مثل الصلاة فإن تحصيل المقارنة الحقيقية فيها لجز معين من الوقت كأول الزوال دائما متعذر وتحصيل العلم أو الظن به ولو مرة ممتنع عادي اللهم إلا أن يتسامح في طريقه كأن يكتفي فيه بمجرد عدم العلم بالخلاف وأما الثاني أعني الواجب الموسع فالحق جوازه عقلا ووقوعه شرعا وخالف في ذلك جماعة فأحالوه عقلا فمنعوا من وقوعه شرعا وحاولوا تأويل الأوامر التي بظاهرها تفيد التوسعة فخص الوجوب بعضهم بأول الوقت وآخرون ب آخره وهم بين قائل بأن الاتيان به في أول الوقت نفل يسقط به الفرض كتقديم الزكاة على القول به وبين قائل بأن تقديمه يقع مراعى فإن بقي المكلف فيه على صفات التكليف تبين أن ما أتى به كان واجبا وإلا كان نفلا وهذا القول بظاهره لا يستقيم على أصله من امتناع التوسعة في وقت الواجب لان وقوع الواجب في صورة التقديم مراعى إنما يتم إذا كان وجوبه فيما قبل آخر الوقت مشروطا بكون المكلف بحيث يدرك آخر الوقت بصفات التكليف فيلزمه القول بالتوسعة على تقدير حصول الشرط إذ لم يعين للفعل وقتا غير الاخر وهذا واضح لنا على جوازه عقلا عدم ما يقتضي خلافه لما سنبين من بطلان ما تمسك به الخصم وعدم ما يصلح له سواه وعلى وقوعه شرعا تعلق بعض أوامر الشرع بالفعل في زمن يفضل عنه كأمره بإقامته الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل إذ ليس المراد استيعابه بالفعل بتكريره فيه أو بتطبيق طرفيه على طرفيه بالاتفاق بل بمجرد إيقاعه فيه وجميع الأجزاء متساوية بالنسبة إليه فتعيين الأول أو الاخر خروج عن ظاهر اللفظ من غير دليل احتجوا بأنه لو لم يتعين وقت الفعل لجاز تركه من وقت إلى آخر فيلزم جواز ترك الواجب وأنه ينافي الوجوب فيتعين أن يكون الوجوب في وقت لا يجوز تركه فيه وهو إما أول الوقت أو آخره إذ لا قائل بالواسطة ثم احتج من خصه بأول الوقت بأنه لو كان الاخر لما برئت ذمته بأدائه في الأول وأنه باطل بالاجماع فيتعين الأول لكنه إذا عصى وأتى به قبل خروج الوقت استحق العفو لما ورد من أن أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله لا يقال لو صح ذلك لكان المصلي في آخر الوقت قاضيا وأنه باطل بالاجماع لأنا نقول عدم جواز التأخير لا يوجب صيرورة الفعل قضاء كما في صورة نذر التقديم واحتج من خصه